على ضفاف النيل الشاجى، وفى بيت مصري، لبني الطوب، متوج بعيدان الحطب الذهبية؛ كانت تعيش "وردة" مع جدتها
وردة: فتاة يتيمة الأبوين، لا تعرف من إناس إلا جدتها
تشرق شمس الصباح الوضائة، لتطرق فى حياء على نافذة وردة، داعية العصفور الشادى؛ بانشودة: أحلى صباح يا وردة
فتهب وردة الحالمة ملبية نداء السماء، دؤوبة الخطى الواثقة، مكللة بالآمال الواعدة ومزينة بأبهى حلِي مرح الطفولة البرئ
مستهلة يومها فى نشوة تحث الخطى إلى مدرستها الإبتدائية بالناصرية.
تغمرها أشعة الشمس الخمرية حاملة مباركة الإله العظيم،. وينفحُها النيل العذب بنسائم الشرق مداعباً ضفيرتها المخملية
وبعد عودتها من الناصرية، وفى المساء، تساعد الجدة فى صنع "عناقيد" الفل والياسمين، لبيعها فى شوارع القاهرة الساهرة. يلازمها فى ذلك المعلم النصوح: السيد/ هدهد الفصيح
وذات صباح، أقبل العصفور الشادى –كعادته- موقظاً وردة...منادياً لها؛ ولكن...ما من مجيب.....لقد اختفت وردة
فأخذ العصفور يغدو ويروح باحثاً عن وردة، وبين الحين والآخر يختلس النظرات عبر نافذتها الموصدة عسى أن يجدها، وللأسف ما من أثر لها
ومضت من الأيام –ما مضى- أضنى البحث فيها العصفور، وأثناء ذلك لمح السيد/ هدهد، جالساً على فرع الشجرة خاصته، الموازية لنافذة وردة. فهرول العصفور منادياً المعلم: "سيد/ هدهد...سيد/ هدهد..لقد أختفت وردة؟! ألديك فكرة عما حدث لها؟! أين ذهبت؟! أو ما الم بها؟! عسى أن يكون المانع خيراً"
تلفت السيد/ هدهد، محدقاً فى لا شئ: "وردة....يا حسرتاه...إنها مريضة بمرض خطير بسبب العدوى، حقنة ملوثة. للأسف نتيجة الإهمال"
العصفور: "يا الله..أما من وسيلة لدرء هذا المرض الخبيث؟! أما من وسيلة لتخفبف آلامها؟! ...لا يمكن أن نتخلى عن وردة الأن. بالتأكيد تحتاج لمن يشد أزرها ويأخذ بيديها الصغيرتين لبر الأمان"
رد السيد/ هدهد: وردة فتاة صلبة، لديها من العزيمة ما يكفى لشد أزر جبال،
أقبل أيها الصغير، تعال تظلل تحت هذه الشجرة العتيقة. ففيها من الحكمة بقدر ما حفر الدهر على جذورها. كما أن لدى ما أطلعك عليه: حياتنا مليئة بالمفاجآت والامتحانات، ولا ينجح فيها إلا الصابر المصابر..فلنتعلم الصبر الجميل.......
وسكت السيد/ هدهد،ووجل العصفور، ولكنه ما لبث إلا و ردد متمتماً: يا لها من كلمات .....صدقت
قالها العصفور، وتمتمت بها"وردة" القابعة خلف نافذتها الموصدة، المنصتة والسابحة فى محيط أفكارها العابرة فلك الأحلام. تلك الكلمات: التى هز كل حرف فيها وتر من أوتار وجدانها.
ومن فورها همت لتسطر على أوراق الياسمين بطاقة دعوة:
"هلمى يا أوراق الياسمين مكللة بندى الأمال
انسابى يا قطرات الندى واشفى نفسي من كل آفة وآثم
أقبلي يا شمس النهار وأشرقي بقبلاتى
تعالي يا دنيا وافرحي بحلمى الزاهى بألوان الربيع"
أمنعت "وردة" النظر فى بطاقتها المنظمة على ورق الياسمين مرة أخيرة، ومن فورها وثبت إلى نافذتها الموصدة، مفتحة إيها،
ودفعت بورق الياسمين إلى الحياة المقبلة..
جفت أقلامنا، وتمت كلمتنا....ولكن هذه ليست النهاية....إنها مجرد بداية حكاية....حكاية " وردة" بائعة الياسمين

-----------Amira----------
January 18, 2005 2:56 AM
No comments:
Post a Comment